-
لهذه الأسباب
صار لجيل الأبناء قيمة استراتيجيه بالغة، إذ أنهم وسيط
ممتاز يفيد في حكم البلد بطريقة نموذجية، وهكذا صارت مناصب الدولة الرئيسة
تعهد إلى الأتراك أبناء
السمراوات،
خصوصاً ضباط وفرسان وجنود الحامية العسكرية العثمانية والشرطة (الجندرمة)
وجباة الضرائب، كما أنهم صاروا كذلك حكام الأقاليم.
-
ومع أنهم كانوا
يتواجدون في غالبية الأقاليم الليبية إلا أن تركزهم السكني الرئيس ظل في
ضاحية طرابلس الشرقية المحاذية الساحل
والجنوبية المنشية
التي صارت اليوم ما يعرف بطرابلس الإيطالية أي المنطقة التي تقطعها
حالياً شوارع
عمرو بن
العاص (الوادي)
والتحدي
وأول
سبتمبر
والبلدية،
إضافة إلى قرية تاجوراء
ومدن
زليتن
ومصراتة
والزاوية.
-
مع الزمن، وبحكم
استقرارهم الدائم في ليبيا - طالما أنها مكان ميلادهم وأرض أخوالهم ورزقهم الكبير
فيها، ولأن علاقتهم بأرض الأجداد لم تعد لها بالتالي أي قيمة توطدت علاقة
أجيال الأحفاد بليبيا حتى أنهم في خلال جيلين تقريباً نسوا تماماً اللغة
التركية واللباس التركي، لقد صاروا عرباً يتحدثون العربية في لهجاتها الليبية
و يرتدون اللباس الليبي -
الذي هو مزيج
روماني يوناني تركي محلي
- ولم يعد يربطهم بأصلهم إلا لقب طائفتهم الكورغلية
و الامتيازات التي تحصلوا عليها منها.
-
ربما أكبر دليل
على استعراب الكورغلية في غضون جيلين هو أن أحمد
القرمانلي
كبير فرسان ضاحية طرابلس الشرقية الساحل
ومؤسس حكم الأسرة القرمانلية شبه الذاتي في ليبيا سنة 1711 قام لأول مرة في
عهد ليبيا العثمانية بتعريب
دواوين الدولة، ولم يكن يعرف عنه أنه يتقن أي لغة غير العربية في لهجتها
المحلية، كما سار ابنه الذي حكم من بعده وكذلك حفيده وابن حفيده الذين
حكموا من بعده على ذات النهج، كانت دواوينهم تكتب بالعربية في لهجتها الليبية
ولباسهم هو الليبي التقليدي ولم نعرف عنهم سوى نزعة قوية للاستقلال عن
السلطنة العثمانية بالرغم من ادعائهم بالدعوة لها على المنابر.
-
يلاحظ أن بعض من
سكان مناطق استقرار الكراغلة
من غير الكراغلة
صاروا ينعتون كذلك بالكراغلة لا نسبة إلى أصلهم ولكن نسبة إلى سكنهم أراض
كورغلية، حتى أنه بعد عقود من الزمن -
خصوصاً هذه
الأيام -
صار من الصعب فرز الكورغلي
عرقاً من الكورغلي
سكناً إلا لمن يحفظ جيداً شجرة عائلته.
-
ظل نفوذ
الكورغلية قائم بدرجات انحدارية متفاوتة إلى سنة 1832 حينما قرر الحاكم
الليبي آنذاك يوسف
القرمانلي
إلغاء أهم مزاياهم نتيجة لضغوط اقتصادية خانقة واجهته آنذاك، لقد قرر فرض
الضريبة عليهم، وبما أن كل الليبيين آنذاك كانوا يعانون من ضائقة مالية خانقة
بدءاً من الحاكم مروراً بالكورغلية و انتهاءً بكل الليبيين ثاروا عليه لثلاث
سنوات لم تتوقف إلا بسقوط الدولة القرمانلية ذاتها وعودة ليبيا إلى الحكم
العثماني المباشر في 1835.
-
مع ذلك ظل
الكراغلة
يتمتعون بنفوذهم السابق، بل تم تجديد إعفائهم من الضرائب في ذات السنة التي
سقطت فيها الدولة القرمانلية وعادت فيها ليبيا إلى الحكم العثماني المباشر
(1835).
-
لكن يوم
23/11/1901
شهد
الانتهاء الرسمي لنفوذهم، ففي هذه السنة أصدر حاكم ليبيا العثماني الوالي حافظ
محمد باشا
مرسوم يلغي فيه امتيازاتهم وفرض الضرائب عليهم أسوة بكل الليبيين إضافة إلى
إلغاء منصب باش
آغا أو
كبير الفرسان الذي كان حكومة
داخل حكومة،
لقد رفض الكراغلة
هذا القرار وقاوموه بشكل عنيف إلا أن ثورتهم جوبهت بحملة عسكرية شديدة نفي في
نهايتها الكثير من زعماءهم في أماكن ليبية عديدة.
-
وهكذا أسدل
الستار نهائياً على هذه الطائفة الليبية ليحل محلها في النفوذ طوائف
وقبائل ليبية أخرى.