-
ليست الحالة على هذه الدرجة من التشاؤم، إن أساس وصولنا
إلى موقع فيلادلفيا الأخير الآن سيكون
الحصن الإسباني أو
حصن المندريك إذا
استعملنا اسمه التاريخي الأشهر، فلو تمكنا من تحديد موقعه في ميناء
اليوم لسهل علينا الوصول إلى موقع فيلادلفيا الأخير.
-
لكن قد لا يعلم بعض القراء أن هذا الحصن بحاجة إلى سلسلة من المقالات ليوفى
حقه، فهو ليس فقط جزءاً رئيساً من تاريخ ميناء طرابلس وإنما من تاريخ طرابلس
ذاتها إن لم يكن من تاريخ بلادنا ككل، أنشأه الإسبان عند احتلالهم لمدينة
طرابلس كقلعة دفاعية متقدمة سنة 1530، ومنذ ذلك الوقت تَرَمَّم وتَعَدَّل
وتَسَلَّح أكثر من مرة.
-
ذكر
المهندس علي الميلودي عمورة في صفحة 227 في
كتابه طرابلس المدينة العربية ومعمارها الإسلامي أن هذا الحصن إستخدم سنة
1927 ـ أي في العهد الإيطالي ـ كقاعدة لمنارة ميناء طرابلس التي تدل السفن
القادمة ليلاً عن إقترابها منه، لكن هذه المنارة ـ كما يقول
المهندس
الميلودي ـ دمرتها قنابل طائرات الحلفاء التي قصفت المدينة أيام الحرب
العالمية الثانية في أربعينيات هذا القرن.
-
في أوائل سبعينيات هذا القرن
انتقلت المنارة إلى موقعها الحالي، لكن كل من عمل في الميناء ويتجاوز منتصف
عمره الآن رأى بعينيه فنار المندريكس كما كانت تعرف منارة العهد الإيطالي
ولازال يتذكر ذكريات الصيد والهدرزة الجميلة التي قضاها تحتها، أفلم يتبق أي أثر يدل على هذا الفنار اليوم؟ بكل أسف طُمِرَ تماماً ضمن
أعمال التوسعة الكبيرة التي أجريت للميناء، وصارت كل المنطقة المحيطة به
ساحة كبيرة ممهدة.
-
هل هذا يعني أننا فقدنا حصن المندريك إلى الأبد؟ كان من
الممكن أن يكون ذلك لولا الخرائط! لدي خريطة إيطالية لمدينة طرابلس
وميناؤها بمقياس رسم 1: 5000 يبدو فيها واضحاً جداً حصن المندريك
هذا، إلا
أنه من المؤسف أن تاريخ رسمها غير موضح عليها وإن كنت أرجح من معالمها أنها
في أواخر العهد العثماني وأوائل العهد الإيطالي.
-
من هذه الخريطة قست
المسافة ما بين مركز حصن المندريك والضفة الشمالية لمضيق
عين الإبرة الواقع على ضفته الجنوبية منه الآن مدخل الميناء الرئيسي، فوجدتها 85 متر،
قست هذه المسافة على صورة جوية لمدينة طرابلس في الأطلس التعليمي للمرحلة
الأساسية صادر في 1985 فوجدت أن منارة الميناء الحديثة تقع يسار هذا الموقع
بالضبط للداخل إلى الميناء، كأن المنارة القديمة أزيحت يساراً نحو شاطئ
البحر طالما أن توسعة الميناء الجديدة جعلتها بعيدة عن البحر في وسط
الميناء تقريباً!
-
لأتأكد من وجود أو عدم وجود أي أثر حالياً يوصلني إلى مكان
حصن
المندريك المفقود (حتى نصل عن طريقه إلى مكان فيلادلفيا الأخير) أسرعت ظهر
يوم 10/10/1999 مهرولاً إلى ميناء طرابلس باحثاً عن الأستاذ
محمد الميلادي،
جاري في الصفحة التي كنت أكتب فيها زاويتي عن هذه السفينة في
صحيفة
الشط
التي تصدرها
اللجنة
الشعبية للإعلام والثقافة بطرابلس الغرب،
فهو بالإضافة إلى ذلك رئيس قسم الشؤون البحرية بميناء طرابلس،
فكان أنسب شخص يمكنني أن أسأله: أين
مكان فنار المندريكس الآن؟
-
مساء ذلك اليوم تمعنت في مجموعة الخرائط والصور التي لدي محاولاً تحديد
مكان المخزن 25 فيها وبالتالي مكان
برج المندريكس وبالتالي
موقع فيلادلفيا
الأخير، لكنني فضلت أن أوجل هذا العمل إلى ما بعد موعد صباح الغد.
-
في صباح
اليوم التالي (11/10/1999) قابلت الأستاذ علي التركي
بهدف مقابلة أحد قدامى الميناء ليساعدنا في تحديد مكان هذا الفنار
بشكل أكثر دقة، لكنني فوجئت به يقول لي إنه إتضح له أن ذلك الموظف الذي كان
يعتقد أن لديه معلومات إضافية لا يعرف شيئاً عن برج المندريك، إلا أنه
يمكنني أن أقابل صديقاً له الساعة الـ 5.5 من مساء ذات اليوم هو
الحاج محمد
أبو خلال، موظف قديم آخر في ميناء طرابلس متقاعد منه الآن يعرف الكثير عن
ميناء طرابلس قبل السبعينات.
-
أثناء محادثتي مع والدي ظهر ذلك اليوم عن مجريات هذا الصباح
فوجئت بأن محمد
أبو خلال هو أحد قدامى أصدقاؤه! وقد أوصاني بكلمة سر أقولها
له سيتذكره فوراً!
-
مع الساعة الـ 5.5 كنت أمام دكانه بحي الضهرة
الطرابلسي بعد
مكتب المقهور للمحاماة أمام
مدرسة الضهرة، كان بصحبته
علي التركي، أثناء
محادثة التعارف علمت أن الحاج بالقاسم أبو خلال القيِّم الحالي لجامع قرجي
بطرابلس القديمة هو شقيقه، كما فاجأني حينما أراني بطاقة قديمة لازال يحتفظ
بها تثبت أنه رابع ليبي يعمل في ميناء طرابلس منذ عهد
الإدارة البريطانية (1943 - 1951).
-
لقد فهم كلمة سر والدي
وتذكره فوراً إلا أنه من المؤسف أنه لم يكن متأكداً من المكان الدقيق
لبرج المندريك حالياً!
-
مساء يوم 13/10/1999 عدت إلى
الحاج محمد أبو خلال لأريه صورة حديثة نسبياً
للميناء علها تساعده في تحديد موقع البرج، في هذا المساء ذكر لي الكثير من
تفاصيل ذكرياته مع والدي تذكرها بعد لقائي السابق معه، لكن صورة الميناء
التي أريتها له لم تساعده للأسف في تحديد موقع المندريك، فمعالم الميناء ـ
كما قال لي ـ تغيرت جذرياً عن صورة الميناء التي يعرفها.
-
مع ذلك إستفدت
جداً هذا المساء منه بمعلومة إضافية لا شك في أنها ستفيد في إثراء دراسة
تاريخ ميناء طرابلس لمن يود القيام بها، ذكر لي الحاج محمد
هذا المساء أن
جزء الميناء أمام برج المندريك القديم كانت ترسو فيه سفن خشبية قادمة من
تونس محملة بالفخار، بعضها كان يظل راسياً هناك إلى أن يصير حطاماً ويغرق
لأسباب مختلفة، هل هذا يعني أن هذه البقايا إختلطت مع
بقايا السفينة
فيلادلفيا مما يعني زيادة صعوبة الوصول إليها؟
-
الصعوبة لم تتوقف عند
هذا الحد على أي حال، إذ أن الحاج محمد قال لي أيضاً
إن الميناء تعرَّض لعدة عمليات
تنظيف لقاعه خصوصاً في عهد الإدارة البريطانية، وكثيراً ما تم
انتشال ألواح
خشبية هي بقايا سفن خشبية ظلت راسية إلى أن غرقت لأكثر من سبب، لتكوم على
الرصيف القريب منها وتحرق بعد ذلك، فهل تم انتشال بقايا
فيلادلفيا ضمن هذه
البقايا وأحرقت معها؟ ربما، وربما لم تصلها آلات تنظيف القاع لوجودها في
عمق أبعد من أن تطاله أيدي آلات النشل، لكن ما أنا مهتم جداً به الآن
هو تحديد موقع هذه البقايا، فلنحدد موقع هذه البقايا بدقة ولنر بعد ذلك ما
إذا كانت مازالت في مكانها أم لا.
-
صباح يوم 14/10/1999 فوجئت بـمحمد الميلادي
- زميلي في
صحيفة
الشط
التي تصدرها
اللجنة
الشعبية للإعلام والثقافة بطرابلس الغرب ورئيس قسم
الشؤون البحرية بميناء طرابلس ـ يتصل بي هاتفياً ليقول لي إنه حدد لي
موعداً في مكتبه مع القبطان الليبي محمد تاتا، أحد المهتمين بتاريخ طرابلس
والميناء.
-
بعد حوالي 10 دقائق من جلوسي مع محمد الميلادي بمكتبه وصل
القبطان تاتا، وما أن علم ببحثي عن
فيلادلفيا حتى قذفني بلا تردد بكل ما
يعرفه من معلومات ومصادر معلومات حول بحثي هذا، من المؤسف أن كل المعلومات
التي ذكرها لم تحمل إضافة جديدة لي، لكنه في ذات الجلسة قدم لي مساعدة من
نوع آخر لم يعلم أنها كانت أعظم خدمة لبحثي، لقد عرض علي منحي بلا مقابل
نسخة من خريطة إنجليزية قديمة لميناء طرابلس تعود لسنة 1949.
-
حينما إستلمت منه
هذه النسخة من بيته في مساء ذات اليوم وجدتها نسخة واضحة جداً وثرية جداً
بالمعلومات التاريخية ستفيدني حتماً في الكثير من دراساتي التاريخية التي
لم أكملها بعد.
-
حينما فردتها أمامي فوق طاولة غرفتي في مساء ذات اليوم تبين
لي أن موقع برج المندريك كان واضحاً تماماً في هذه الخريطة وإن لم يُذْكر
بإسمه هذا وإنما منارة الميناء، كانت هذه الخريطة قيمة جداً لأنها بينت لي
أخيراً موضع هذا البرج، وقد ذكرت أعلاه أنه
لو تمكنا من تحديد موقع هذا البرج في خريطة الميناء الحالية لسهل علينا
كثيراً الوصول إلى الموقع الدقيق لبقايا فيلادلفيا من خلال الأبعاد التي
وضعها المستكشف الأمريكي فيرلنج الذي سبق وأن تحدثت عنه ونشرت خريطته التي
تبين الموقع الأخير لفيلادلفيا في ميناء
طرابلس 1904.
-
أخذت رشفة من كوب القهوة الساخن بجانبي ثم
تناولت مسطرتي وبدأت قياساتي، فاتضحت لي ملاحظة كانت مفاجأة أكبر: من خلال الحدود الخارجية
الواضحة في هذه الخريطة لقاعدة برج المندريك إتضح لي أنه ليس برج
المندريك التاريخي وإنما الحصن الدائري الذي يقع شماله!!
-
أي أن الحصن الدائري صار يسمى بإسم
برج المندريك وبرج المندريك الأصلي
سقط من الذاكرة، فما سبب ذلك؟ لماذا سمي الحصن الدائري المجاور للبرج
التاريخي باسمه؟
-
ربما لأن عاملي الميناء يعتبرون الحصن الدائري تابعاً
أو جزءاً من حصن المندريك الأشهر، حيث تبين بعض الخرائط القديمة أنه متصل به
برواق، وربما حمل إسم البرج الأشهر في تلك المساحة!
-
المهم تمكنت أخيراً من
تحديد مكان الحصن الدائري وبرج المندريك على خريطة الميناء الحالية،
الحصن
الدائري (فنار المندريك فيما بعد) أمام المخزن 25، أما
حصن
المندريك التاريخي فيقع الآن وسط حظيرة السيارات ب الواقعة يسار الداخل
للميناء مباشرة بعد الزقاق الأيسر المؤدي إلى منارة الميناء الحالية.
-
الآن من السهل تحديد مكان فيلادلفيا الأخير (النجمة
الحمراء في الصورة
أدناه):