شارع بن عاشور  بمدينة طرابلس/ ليبيا

دراسة غير منشورة في أي مكان غير هذا المكان!

يُطِل مبنى المقر الرئيس للمدارس على شارع "بن عاشور" بكامل واجهته، أما من الخلف فيطل جزئياً على زقاق متفرع من هذا الشارع هو زقاق "الخوجة"، لكن شارع "بن عاشور" هذا على درجة من العراقة بحيث تفاجئ الكثير من سكان مدينة طرابلس أنفسهم الجاهلين بتاريخ مدينتهم حينما يسمعون للمرة الأولى قصة هذا الشارع! وقد شاءت الصدف لوحدها أن يتم سرد قصة هذا الشارع للمرة الأولى في هذا الموقع في دراسة قمت بها شخصياً، و بالتالي لا وجود لمثيل لها في أي مصدر، إذ أنني لم أنشر هذه الدراسة في أي مكان غير هذا المكان:

سنة 1048 م أعلن والي دولة الفاطميين على ولاية أفريقيا "المعز بن باديس" من عاصمة ولايته "القيروان" استقلاله عن الدولة، وكانت في ذلك الوقت عدة قبائل من العرب البدو المستقرة حديثاً في دلتا النيل تثير الكثير من المشاكل قرب العاصمة الجديدة "القاهرة"، ففكر الحاكم الفاطمي آنذاك "المنتصر بالله" أن يهب هؤلاء البدو ولاية أفريقيا، فيتخلص من مشاكلهم من ناحية، ويخرب بواسطتهم الولاية التي يريد المعز أن يفصلها عن الدولة!

وتقول لنا المصادر التاريخية أن هذه الخطة نجحت، لقد فشل المعز بن باديس في صد هذه القبائل، وصارت هجرتهم إلى شمال أفريقيا تعرف بـ "الهجرة الهلالية" بزعامة الأسطورة - "أبو زيد الهلالي"، لكن لم يكن أحد يتوقع أن هذه الهجرة وضعت أساس التوزيع السكاني الحالي للمغرب العربي، فغالبية سكانه العرب اليوم ليسو إلا أحفاد قبيلتي بني سليم وبني هلال، من أحفاد بني سليم ما عرف بقبيلة أولاد دَبَّاب، التي انحدر منها أولاد سالم، أحدهم "علوان"، الذي شكَّل أحفاده ما يعرف اليوم بـ "العلاونة"  

حتى أوائل هذا القرن كان "العلاونة" يسكنون شرق طرابلس الغرب بقليل، في خيام ينتقلون بواسطتها للرعي والزراعة الموسمية، لكن كشبه بدو، إذ لا يخرجون من منطقة محدودة، لدرجة أن عرفت باسمهم، و صارت أيام الاحتلال الإيطالي (1911-1943) محلة باسمهم

سكن هذه المحلة أقوام أخرى أخذت اسم "علوان" بحكم سكنهم للمنطقة، إلا أن أولاد سعيدة والرخصة والمجاربة و أولاد الحاج هم الوحيدين الذي يعدون علاونة حقيقيين، إنحدر من أولاد الحاج العديد من العائلات : الأشهب، الفضول، رزق، وأولاد بن عاشور، نسبة لجدهم عاشور، الذين كانوا - كعادة البدو شبه الرحل - يملكون أراضي، لكنهم لا يأتون إليها إلا وقت الجني، أما باقي السنة فيظل فيها فلاح وعائلته يشتغلون بها بالربع أو بالثمن حسب الاتفاق

كانت مزارع أولاد بن عاشور موزعة ما بين منطقة زناتة[1] وجامع سيدي عبد الغني، وحينما يسأل العاشوري المقيم بزناتة المتجه غرباً لزيارة أحد أقاربه بمنطقة جامع سيدي عبد الغني "إلى أين أنت ذاهب؟" يجيب باختصار: "إلى بن عاشور" قاصداً قريبه الذي يعرف اسمه السائل والمسئول

بتوالي الأيام ظل ذات الجواب يكرر في كل مرة يريد أحد عواشير زناتة زيارة أحد أبناء عمه قرب جامع سيدي عبد الغني، و من الطبيعي أن تزال أملاك بن عاشور مع الوقت بالوفاة أو البيع أو الحجز، فنسي الناس أبناء عاشور وسبب التصاق اسمهم بهذا الشارع، لكن الشارع ظل الوحيد الذي يذكرهم حتى هذه اللحظات[2]

في وثيقة وقف[3]  تعود لسنة 1728 م إتضح أن شارع بن عاشور مذكور فيها كأحد حدود قطعة أرض، وهذا يعني أن هذا الشارع معروف منذ 270 سنة على أقل تقدير، أي منذ عهد "أحمد الكبير"، مؤسس وأول حكام دولة أسرة القرمانلي، التي حكمت ليبيا تحت اسم "باشاوية طرابلس الغرب" كدولة ذات حكم ذاتي موسع تحت سلطة اسمية للسلطنة العثمانية من1711 م إلى 1835م، مما يعني أن "شارع بن عاشور" - بخلاف ما يعتقد الكثيرون - ليس اسماً جديداً

·   حدوده التاريخية

 حتى بدايات الاحتلال الإيطالي لليبيا (1911-1943) - حينما تغيرت معالم مدينة طرابلس الغرب جذرياً - كان هذا الشارع يبدأ من الغرب مما كان يعرف بزنقة الحُرَّان وينتهي بما كان يعرف بدكاكين بن هاشم و حوش العبيد

 à    زنقة الحُرَّان

هي الآن جزء شارع النصر الذي يبدأ من تقاطعه بشارع أول سبتمبر وينتهي عند تقاطعه مع شارع خالد بن الوليد في حي الضهرة[4] (تابع الخريطة المرفقة)، كانت هذه الزنقة رملية لدرجة أن يصعب على العربات التي تجرها الدواب عبورها، وسرعان ما سنكتشف علاقة هذه الصعوبة باسم الزنقة حينما نعرف أن امتناع الدواب عن السير يعرف لغوياً بالحران!  شارع بن عاشور العتيق كان يبدأ من هذه الزنقة، بالضبط من نقطة تقاطعها مع شارع "باندونج" الحالي

à    دكاكين بن هاشم و حوش العبيد

هذه هي نهاية شارع بن عاشور التاريخية[5]، إنها دكاكين لأحد أبناء عائلة "هاشم" كانت مبنية في المثلث الذي يلتقي فيه شارع بن عاشور بالشارع المؤدي إلى منطقة الهاني، وحيث يبدأ شارع زناتة[6]، ولازال الكثير من سكان زناتة اسم عائلتهم "بن هاشم "، لكن من المؤسف أن صاحب الدكاكين ذاته لا تتوفر حوله أي مصادر منشورة، لقد ظلت هذه الدكاكين ببنائها الطيني حتى سبعينيات هذا القرن[7] حينما هدمت وبني بدلها "دكان زجَّاج" القائم حالياً

أما حوش العبيد (بيت الزنوج) فهو بيت كان ملاصق لهذه الدكاكين، ومن المؤسف أنه أيضاً لا تتوفر حولهم أي مصادر منشورة، أما موقعه الحالي فهو أرض فضاء

    آثار بن عاشور:

 ما بين بداية هذا الشارع و نهايته نشأت باقة مدهشة من الآثار الثقافية والدينية نادراً ما تجتمع في شارع واحد، إنها (تابع الخريطة المرفقة):

1 مقبرة سيدي نصر

2 شارع  الماعزي

3 جامع البيدي

4 مقبرة السبعة

5 مًجَمَّع سيدي عبد الغني

6 زنقة بيت المال

7 سُكرَا

8 مدرسة جامع عمورة

9 جامع عمورة

10 جامع الأرناؤوطي

 1. مقبرة سيدي نَصْر

اختفت هذه المقبرة عن الوجود منذ سنة 1930، ففي هذه السنة تم على أرضها بناء مبنى المكتبة القومية المركزية (قصر الشعب سابقاً) ليكون مقر الحاكم الإيطالي لليبيا أيام احتلال الإيطاليين لها (لا للملك الليبي إدريس الأول كما يعتقد الكثيرون الذي استخدم القصر عند توليه الحكم) لكن لم يبدأ الإيطاليون في بناؤه إلا بعد أن تم نقل رفات موتى المقبرة واحداً واحداً في توابيت لدفنها مجدداً في مقبرة سيدي المنذر تحت إشراف هيئة الأوقاف آنذاك[8]

إلا أن الجميع اتفقوا على عدم المساس بضريح الولي "سيدي نصر"، الذي تعد قصة وصوله طرابلس الغرب إحدى قصص هذا الشارع المثيرة:

وصلت سفينة تجارية ميناء طرابلس مُحَمَّلة بالبضائع والعبيد الأفارقة المجلوبين من السنغال لحساب تاجر طرابلسي مقتدر، لكن بمجرد أن أنزلت البضائع والعبيد على الرصيف حتى فوجئ التاجر بوجود أحد علماء طرابلس المشاهير " محمد الماعزي " يتجول ما بين العبيد يتمعن في وجوههم واحداً واحداً، لكن مفاجأته كانت أكبر حينما مسك بيد أحدهم وخرج معه من الميناء، لقد صدمته المفاجأة، إن محمد رجل علم وأخلاق، فكيف ينتزع ما ليس له بهذه البساطة ؟ ظل الأمر يثير التاجر إلى أبعد حد، ومنعاً لأي حرج قرر ألا يلحق به أو يحدثه أمام الجمع، فانتظر إلى أن ينتهي من إجراءات إنزال بضاعته ثم يذهب إليه في مقره الدائم بزاويته حديثة التأسيس آنذاك

حينما وصل هناك لم يجد إلا أن يختار بين خيارين: " إما أن تعتق هذا العبد أو تعيده من حيث جلب"، لقد برر الماعزي قراره هذا بأنه حلم بهذا الرجل ليلة البارحة، واستشف فيه شخصية روحانية على درجة من الأهمية، وبما أن رأي الماعزي آنذاك كان مقنع دون الحاجة إلى مجادلة، قرر التاجر لحظياً إعتاق ذلك العبد

منذ ذلك الوقت صار معتاداً أن يرى الناس ذلك السنغالي يعاون الشيخ محمد الماعزي في تدريس طلاب زاويته، وفي سنة 1751 م توفى، فدفن في المقبرة القريبة من الزاوية، وعرفت فيما بعد باسمه: مقبرة سيدي نصر

يقال أن الملك الليبي إدريس الأول بعدما سكن قصر الجنرال "بالبو" في أوائل خمسينيات هذا القرن كمقر حكمه في طرابلس الغرب حلم بهذا الولي الذي كان ضريحه بمحاذاة هذا القصر، فقرر بناء جامع على ضريحه عرف باسمه[9]، لكنني أعتقد أن بناؤه لهذا الجامع جاء كنتيجة طبيعية لحاجة ملك البلاد لجامع تتوفر فيه شروط أمنه وحاشيته أثناء تأديتهم لصلاتهم اليومية، وبما أن ضريح هذا الولي يبعد خطوات من القصر الذي اختاره مسكن له ستكون فكرة جيدة أن يكون جامعه ملاصق لهذا الضريح، أما قصة الحلم فستفيد جداً في تقوية أسطورة "التفويض الإلهي" لحكمه لدى غير المثقفين!  

 2. شارع الماعزي

كان هذا الشارع مجرد الجزء الغربي الأول لشارع بن عاشور، لكنه انفصل عنه بمجرد أن أنشئت على ضفته سنة 1746م زاوية تسمت على مؤسسها: أبو عبد الله محمد بن مصطفى الكُرْغلي الماعزي، ولقب الكُرْغلي يعني أنه من الليبيين أحفاد الضباط والجنود الأتراك العثمانيين الذين تزوجوا من عربيات ليبيات أو أسيرات مسيحيات، مشكلين في عهد الدولة القرمانلية طبقة يأتي نفوذها مباشرة بعد نفوذ الأسرة الحاكمة ذاتها، ومؤسس هذه الزاوية عاصر أول و ثاني حكام هذه الأسرة، وظل يجلس بها يعلم أطفال المدينة العلوم الدينية المعروفة آنذاك حتى توفى سنة 1753 م ودفن بها، في قبر لازال مكانه معروف بداخلها حتى هذه اللحظات، يلقى عناية تامة من حفيده الخامس: وكيل الزاوية الحالي: محمد الرابع بن عبد الله الثالث بن محمد الثالث بن عبد الله الثاني بن محمد الثاني بن عبد الله الأول بن محمد الأول الماعزي مؤسس الزاوية، ومن المثير أن هذه الزاوية ظلت تمارس ذات مهمتها تحت رعاية دائمة من أحد حفدة مؤسسها بلا انقطاع منذ تأسسها وحتى هذه اللحظات، لكن قد يكون مدهشاً معرفة أن مبنى هذه الزاوية انطلق منه سنة 1947 نشاط علمي جديد - وإن لم يكن غريباً على إرث الزاوية العلمي - لم يكن ليتوقعه مؤسسها أبداً، ففي سنة 1947 صارت مقر صحيفة "البلاد" برئاسة تحرير الماعزي الحفيد: محمد الرابع الماعزي، لكنها توقفت عن الصدور بعد فترة قصيرة لتصدر بدلاً منها - ومن ذات المكان وبذات هيئة التحرير - صحيفة "الأخبار"، إلا أنه لظروف مختلفة لم تستمر هي كذلك فتوقفت بعد العدد الـ 104، أما سنة 1993 فقد شهدت أحدث عملية صيانة وتوسيع لـ "زاوية الماعزي"

3. جامع البيدي

ما رسَّخ انفصال جزء شارع بن عاشور الغربي الأول كشارع مستقل تحت اسم "شارع زاوية الماعزي" هو مـيدان" Medaglia d’oro  "  (الوسام الذهبي) الذي استحدث أيام الاحتلال الإيطالي و سُمِّي على اسم أعلى الأوسمة العسكرية التي يمنحها الجيش الإيطالي لجنوده، الميدان المعروف حالياً بـ "ميدان القادسية"

لكن "جامع سيدي المغربي"[10] الذي اشتهر بـ "جامع البيدي" - على اسم عائلة أحد أئمته المتأخرين - كان موقعه مكان هذا الميدان بالضبط، و بما أن التخطيط العام للمدينة في عهدها الإيطالي اقتضى أن يكون موقعه ميدان أعربت السلطات الإيطالية عن نيتها في بناء مبنى جديد له في أي مكان تختاره إدارة الأوقاف آنذاك، فرأت الإدارة أن الفرصة قد واتت للرفعة من مكانة ضريح ولي عُزِلَ في أرض مقبرة صغيرة اقتطعت من مقبرة سيدي المنذر نتيجة استقطاعات متتالية منها صارت الآن أرض مدرسة علي عبد الله وريث الثانوية وخزان الماء والعمارات المجاورة لها والشارع الذي تطل عليه، فبني "جامع البيدي الجديد " ملاصق لضريح هذا الولي بعد إزالة القبور حوله، لكن يبدو أن هذا الولي من الشهرة لدرجة أن الناس نست اسم الجامع الجديد، وصارت تعرفه باسم هذا الولي: " جامع سيدي أبو مشماشة" [11]    

4. مقبرة السبعة

كانت مساحتها تشمل الكثير من المنطقة التي ورائها، إلا أن الاستقطاعات المستمرة التي نالت منها قَزَّمتها لدرجة لم يتبقى منها اليوم إلا مربع تكسوه القاذورات، حيث منع الدفن فيها منذ الأيام الأولى للاحتلال الإيطالي، وفي الفترة من 1930 إلى 1933 نبشت قبور المنطقة التي بنيت منها الآن مع قبور مقبرة سيدي عبد الغني ومقبرة المصلى القريبتين منها، ثم جمعت العظام في حفرة مكعبة ضلعها 5 أمتار بجامع سيدي عبد الغني القديم حيث ترتفع الآن إحدى قبابه[12]

حتى هذا الجزء المتبقي منها ما كان ليبقى لولا حلم مزعج لمفتي البلاد في خمسينيات هذا القرن: محمد أبو الأسعاد العالم! إذ حاول أحد الجيران تملك هذا الجزء ليوسع حديقة منزله، وكاد المفتي أن يعطي فتوى بجواز ذلك، إلا أنه في الليلة السابقة حلم حلماً مزعجاً منعه من إطلاق هذه الفتوى، كانت من نتيجة ذلك أن تم الإبقاء على هذه المقبرة ووضع هيئة الأوقاف على بابها اللوحة الرخامية التي لازالت تحمل اسمها حتى الآن[13]

مع ذلك، من المؤسف أن سر تسميتها بهذا الاسم لازال مجهولاً، إلا أن الملاحظ هو أنها ليست "مقبرة السبعة" الوحيدة في ليبيا! هناك "مقبرة السبعة" في منطقة المزاوغة بمدينة ترهونة، وهناك "مقبرة السبعة" في منطقة الفواتير بمدينة زليتن، حيث يعتقد أن أبناء "سليمان الفيتوري" السبعة مدفونين فيها، الذي يعد جد قبائل أولاد سليمان، والجد السادس للمصلح الشهير " سيدي عبد السلام الأسمر"، والحفيد الرابع لخليفة فيتور جد قبائل الفواتير، والحفيد الـ 19 للحسين ابن علي وفاطمة الزهراء[14]، مع أن قبرين بمسجد الشعاب بطرابلس يبين شاهديهما أنهما لسليمان الفيتوري وأول أبناؤه السبعة! ومع سنة 2002 أزيلت هذه المقبرة خفية و صارت مجرد حديقة للعمارة المقابلة لها

5. مُجَمَّع سيدي عبد الغني

هذا الاسم يُكَوِّن مثلث ديني في منتصف الشارع: جامع سيدي عبد الغني القديم يمين المتجه شرقاً، وجامع سيدي عبد الغني الحديث و روضة الولي سيدي عبد الغني يسار المتجه شرقاً

السيدة "مريومة بنت الدغيِّس" هي التي مولت بناء جامع سيدي عبد الغني القديم قبالة ضريح هذا الولي في الفترة من 1728 و 1730 ف، أي في بداية العهد القرمانلي، لذلك من الممكن جداً أن تكون ابنة وزير الخارجية الليبي آنذاك، محمد الدغيس، أما المقاول الذي بنى هذا الجامع فهو " محمد الحِمَّال "، من سكان منطقة "وسعاية البديري"، الذي بنى "جامع العزابي" و "جامع الديلاوي" الذي كان أمام مدخل المستشفى المركزي [15] في نهاية الزقاق المؤدي إلى شارع الزاوية انطلاقاً من شارع 7 نوفمبر (السكة سابقاً) بعد مبنى أمانة الطاقة سابقاً[16]، والذي لم يعد له وجود الآن

ما تبقى من جامع سيدي عبد الغني القديم أنقاض تم احتوائها بسور اشترط على صاحب المقهى الصغير المجاور له (بار الحفرة) أن يبنيه نظير ترخيص محله

جامع سيدي عبد الغني الجديد بنى في أوائل سبعينيات هذا القرن على أنقاض مقبرة سيدي عبد الغني، قرب البناء الحديث لضريح هذا الولي، قبالة الجامع القديم ذاته المحاذي لزنقة بيت المال

 6. زنقة بيت المال

يوم 15 / 12 / 1824 وصل طرابلس الغرب المستشرق والمؤرخ الفرنسي الكبير: "جان باتيست روسّو"، ليبدأ مهمته كقنصل عام لفرنسا في باشاوية طرابلس الغرب من خلال مبنى القنصلية الفرنسية العريق المحاذي للميناء[17]، كانت العادة أن يكون جزء من مبنى قنصليات المدينة سكناً للقناصل وعائلاتهم، لكن لأن "روسّو" كان يعاني من الروماتيزم، ولأن الابتعاد عن رطوبة البحر يعد إحدى علاجاته، نقل سكنه إلى بيت ريفي[18] يملكه "محمد شالابي بيت المال"، في زنقة متفرعة من شارع بن عاشور مقابلة لجامع سيدي عبد الغني الجديد تعرف بـ "زنقة بيت المال"، على اسم عائلة صاحب هذا البيت، وليس غريباً أن يلتصق اسم عائلة "وزير الخزانة" الليبي آنذاك بالزقاق الذي يسكنه رغم أنه ليس ساكنه الوحيد!

لكن بعد أن سكن القنصل الفرنسي هذا البيت عرف بـ "دار سُكْرَا"، وحينما نتعرف على "سَكْرا" سنكتشف سر تسميته بهذا الاسم!

7. سٌكْرَا

لا أقصد "مصحة سُكْرا" الواقعة اليوم في شارع 7 نوفمبر (طريق السكة سابقاً) وإنما المنطقة التي سميت عليها لقربها الشديد منها، منطقة لا تعد إحدى معالم شارع بن عاشور فقط وإنما من أشهر بقاع طرابلس الغرب ذاتها، لازال اسمها يتسبب في خفقان قلوب كهول المدينة الأحياء، حتى أن بعضهم يؤكد أن: "سُكْرا هي طرابلس، وطرابلس هي سُكْرا"

إنها مجموعة سواني تنتشر على ضفتي شارع بن عاشور، من جامع عمورة غرباً إلى جامع الصقع شرقاً، غلتها الرئيسة البرتقال الحلو، المعروف محلياً بـ "السكري"، وتشتهر بعذوبة مياهها لدرجة أن البعض يعتبرها سبب اسم المنطقة بسُكْرا لا لبرتقالها الحلو

أما أفضل ما يصف “سُكْرا" فهو ما كتبه أحد سكان طرابلس العريقين، أستاذنا الجليل "الهادي إبراهيم المشيرقي" في رسالة وجهها لي بتاريخ 12/1994 يرد فيها على رسالتي إليه طلبت فيها إجابته على أسئلة حول معالم طرابلسية قديمة:

 " … سًكْرَا كانت معرض وكشكول للفواكه بأنواعها، زد على ذلك الورد البلدي والعطر والزهر والفل والياسمين، كان تقطير هذه الروائع يغنينا على سوق باريس للعطورات، وكانت أشجار الأرنج من ورائها أرباح للمزارع أكثر من غيرها، والآرنج يعرف عندنا بالشفشي، وغير منتوج زهر هذه الشجرة المباركة كان طعم قشرتها، فكانت بريطانية تستورد من طرابلس هذه القشور … "  

لا تحاول البحث عن "سُكْرَا" اليوم، فقد اختفت تماماً تحت كتل البيوت التي بدأت في الانتشار منذ خمسينيات هذا القرن، ومن الغريب أن المحتل الإيطالي كان قد أبقى عليها كمحمية طبيعية، منع حتى تزفيت أزقتها!

8. مدرسة جامع عمورة

بنيت هذه المدرسة في أوائل خمسينيات هذا القرن[19]، إلا أن قيمتها التاريخية تكمن في أرضها، فقد كانت مقبرة عامة تعرف باسم "مقبرة المْصَلَّى"[20] و من اسمها يبدو أنها كانت تشتمل على مرفق المصلى الذي تقام فيه صلاة الجنازة على المتوفى قبل دفنه، لذا من غير المستبعد أن تكون مصلى مقابر بن عاشور الأخرى (سيدي نصر وسيدي عبد الغني) أما سبب تسمية المدرسة فيما بعد بهذا الاسم فلأنها جاءت مجاورة لجامع عمورة، أحد آثار بن عاشور الشهيرة

 9. جامع عمورة

عمورة هو "تدليع" للاسم "عامر"، الاسم معروف جيداً في طرابلس الغرب منذ القدم، فالعديد من سكانها يحملونه تيمناً بوليها الشهير "سيدي عامر"، ليس غريباً إذاً أن يكون مؤسس هذا الجامع سنة 1760 ف قد سمي على هذا الولي، لكن الغرابة في نسبه، إن اسمه الكامل: "القائد أبو حفص عمورة بن سيدي عمر بن القائمقام محمد بن علي فلمنك الكُرْغلي" والقائد آنذاك رئيس منطقة إدارية، و القائمقام هو رئيس منطقة أكبر، كما أنها صارت فيما بعد رتبة عسكرية تعادل رتبة "مقدم"، لذا يبدو واضحاً أن "عمورة " زعيم ابن زعيم ابن زعيم

لكن لقب "فلمنك" يفتح ملفاً مثيرا جداً، إن معناه - ببساطة - هولندا! وبما أنه لا وجود لأي دراسة عن نسب هذا القائد ولا تاريخ ميلاده أو وفاته، نتوقع أن يكون جده ممن وقعوا في أسر البحرية الليبية في إحدى حملاتهم البحرية آنذاك، وكعادة أسرى ذلك الوقت، دخل الإسلام ليحسن من وضعه الاجتماعي والاقتصادي، فغير اسمه إلى الاسم الإسلامي الشهير "علي" وكلقب يسهل حفظه - وفي ذات الوقت يحافظ على شرعية نسبه - اختار اسم بلده "فلمنك"، أما سبب توقف اسمه إلى هنا فلا شك في أن أسماء والده وجده غير العربيين سيفضحان أصله غير العربي لو داوم على استعمالها، الأصل الذي يريد نسيانه تماماً!

كالعديد من الأسرى الطرابلسيين آنذاك يبدو واضحاً أنه نجح في ارتقاء سلم المجد، إذ أن ولده محمد صار قائمقام، وربما حفيده عمر لم يصل إلى مرتبة مقاربة إلا أن ابن حفيده "عمورة" ورث قيادة جده ووالد جده، وربما تفوق عليهما، إذ من المعروف أن بَنَّائي الجوامع في كل زمان ليسو إلا من أكابر المجتمع، فما بالك لو عرفنا أن "القائد عمورة" بني هذا الجامع بعد أن بنى مدرسة سنة 1721م لازالت قائمة حتى هذه اللحظات بقرية جنزور، تعرف بـ "زاوية القائد عمورة"

أما عائلة "بن عمورة" - إحدى العائلات المعروفة لمحلة أبي